الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

505

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الذي حاجّ إبراهيم في ربه ، ويدل لذلك ما يرد من التخيير في التشبيه في قوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [ البقرة : 259 ] الآية . وقد مضى الكلام على تركيب ألم تر . والاستفهام في أَ لَمْ تَرَ مجازي متضمّن معنى التعجيب ، وقد تقدم تفصيل معناه وأصله عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ البقرة : 243 ] . وهذا استدلال مسوق لإثبات الوحدانية للّه تعالى وإبطال إلاهية غيره لانفراده بالإحياء والإماتة ، وانفراده بخلق العوالم المشهودة للناس . ومعنى حَاجَّ خاصم ، وهو فعل جاء على زنة المفاعلة ، ولا يعرف لحاجّ في الاستعمال فعل مجرد دال على وقوع الخصام ولا تعرف المادة التي اشتق منها . ومن العجيب أنّ الحجة في كلام العرب البرهان المصدّق للدعوى مع أنّ حاج لا يستعمل غالبا إلّا في معنى المخاصمة ؛ قال تعالى : وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ [ غافر : 47 ] مع قوله : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص : 64 ] ، وأنّ الأغلب أنّه يفيد الخصام بباطل ، قال تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [ الأنعام : 80 ] وقال : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [ آل عمران : 20 ] والآيات في ذلك كثيرة . فمعنى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ أنّه خاصمه خصاما باطلا في شأن صفات اللّه ربّ إبراهيم . والذي حاجّ إبراهيم كافر لا محالة لقوله : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ، وقد قيل : إنّه نمرود بن فالخ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن كوش بن حام بن نوح ، فيكون أخا ( رعو ) جدّ إبراهيم . والذي يعتمد أنّه ملك جبّار ، كان ملكا في بابل ، وأنّه الذي بنى مدينة بابل ، وبنى الصرح الذي في بابل ، واسمه نمرود - بالدال المهملة في آخره - ويقال بالذال المعجمة ، ولم تتعرّض كتب اليهود لهذه القصة وهي في المرويات . والضمير المضاف إليه رب عائد إلى إبراهيم ، والإضافة لتشريف المضاف إليه ، ويجوز عوده إلى الذي ، والإضافة لإظهار غلطه كقول ابن زيابة : نبّئت عمرا غارزا رأسه * في سنة يوعد أخواله أي ما كان من شأن المروءة أن يظهر شرا لأهل رحمه . وقوله : أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ تعليل حذفت منه لام التعليل ، وهو تعليل لما يتضمنه حاجّ من الإقدام على هذا الغلط العظيم الذي سهّله عنده ازدهاؤه وإعجابه بنفسه ، فهو تعليل محض وليس علة غائيّة مقصودة للمحاجّ من حجاجه . وجوّز صاحب « الكشاف » أن